أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
170
العقد الفريد
الخامسة الصبر ، فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ؛ من لا صبر له لا إيمان له ، ومن لا رأس له لا جسد له : ولا خير في قراءة إلا بتدبّر ولا في عبادة إلا بتفكّر ، ولا في حلم إلا بعلم ؛ ألا أنبئكم بالعالم كل العالم ؟ من لم يزين لعباد اللّه معاصي اللّه ، ولم يؤمّنهم مكره ، ولم يؤيسهم من روحه . لا تنزلوا المطيعين الجنة ولا المذنبين الموحدين النار حتى يضي اللّه فيهم بأمره ؛ ولا تأمنوا على خير هذه الأمة عذاب اللّه ؛ فإنه يقول : فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ « 1 » ولا تقنطوا شر هذه الأمة من رحمة اللّه ، ف إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ « 2 » . ومن كلامه رضوان اللّه عليه : قال ابن عبّاس : لما فرغ عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه من وقعة الجمل ، دعا بآجرّتين فعلاهما ، ثم حمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : يا أنصار المرأة وأصحاب البهيمة ! رغا فأجبتم وعقر فهربتم ؛ دخلت شرّ بلاد [ أقربها من الماء ، و ] أبعدها من السماء . بها يغيض كل ماء ، ولها شرّ أسماء : هي البصرة ، والبصيرة ، والمؤتفكة ، وتدمر . أين ابن عبّاس ؟ فدعيت . فقال لي : مر هذه المرأة فلترجع إلى بيتها الذي أمرت أن تقرّ فيه . وتمثل علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه بعد الحكمين : زللت فيكم زلّة فأعتذر * سوف أكيس بعدها وأشتمر « 3 » وأجمع الأمر الشّتيت المنتشر خطب معاوية قال القحذمي : لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقّاه رجال قريش فقالوا : الحمد للّه الذي أعز نصرك ، وأعلى كعبك . قال : فو اللّه ما ردّ عليهم شيئا حتى صعد المنبر ؛ فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال :
--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 99 . ( 2 ) سورة يوسف الآية 87 . ( 3 ) الكيس : العقل .